أبو علي سينا
359
النفس من كتاب الشفاء ( تحقيق حسن زاده آملى )
الثاني فإنما تفعل لا محالة بتوسط هذا الأول . فالنفس تحيى الحيوان بالقلب ، لكن يجوز أن تكون قوى الأفعال الأخرى تفيض من القلب إلى الأعضاء الأخرى ، لأن الفيض يجب أن يكون صادرا من أول متعلق به ، فيكون الدماغ هو الذي يتم فيه مزاج الروح الذي يصلح لأن يكون حاملا لقوى الحس والحركة إلى الأعضاء حملا يصلح معه أن تصدر عنها أفعالها . وكذلك حال الكبد بالقياس إلى قوى التغذية ، ولكن يكون القلب هو المبدأ الأول الذي أول تعلقه به ومنه ينفذ إلى غيره ويكون الفعل في أعضاء أخرى . كما أن مبدأ الحس عند مخالفى هذا القول إنما هو في الدماغ ، لكن أفعال الحس لا تكون به وفيه ، بل في أعضاء أخرى كالجلد وكالعين وكالأذن . وليس يجب من ذلك أن لا يكون الدماغ مبدأ ، لذلك أيضا لجواز أن يكون القلب مبدأ لقوى التغذية ولكن أفعالها في الكبد ، ولقوى التخيل والتذكر والتصور ولكن أفعالها في الدماغ ، بل ينبغي أن يكون المبدأ للقوى المختلفة غير صالح لأن يصدر عن معدنها جميع أفعالها ، بل يجب أن تتفرع في آلات مختلفة تتخلق بعد ذلك العضو تخلقا وتفيض من ذلك العضو إليها قوة ملائمة لمزاج ذلك الفرع واستعداده ، على ما ستقف عليه في ذكر الحيوان ، حتى لا يكون على العضو الذي هو المبدأ ثقل . ولذلك خلقت العصب للدماغ والأوردة للكبد ، كانّ الدماغ والكبد مبدأين أولين للحس والحركة والتغذية أو كانا مبدأين ثانيين . وإذا فاض من القلب قوة التكوين والتخليق إلى الدماغ فيكوّن الدماغ ؛ فلا كثير بأس بأن يكون الدماغ يرسل من نفسه آلة يستمد بها الحس والحركة من القلب ،